وهبة الزحيلي
322
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
أن هذا الإهلاك إنما نفعله بهم لكونهم مجرمين ، فعمم الحكم جميع المجرمين . ثم أكد تعالى التخويف بقوله : وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ والمراد أن مآلهم في الدنيا الهلاك ، وفي الآخرة العذاب الشديد ، كما قال تعالى : خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ، ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ [ الحج 22 / 11 ] . وهؤلاء وإن أهلكوا وعذبوا في الدنيا ، فالمصيبة العظمى والطامة الكبرى معدّة لهم يوم القيامة . والنوع الثالث من تخويف الكفار - التذكير بعظيم إنعامه عليهم ، والتحذير من مغبة كفران النعمة وإنكار إحسانه إليهم ، وهو خلقه الإنسان من النطفة الضعيفة الحقيرة ، ثم إيداعها في مكان حريز وهو الرّحم إلى أن يتم تصويره ويحين وقت ولادته ، وذلك لا يمكن من غير قادر عليّ ، فنعم القادر والمقدّر وهو اللّه تعالى . ووجه التخويف من جانبين كما تقدم : الأول - أنه كلما كانت نعمة اللّه عليهم أكثر ، كانت جنايتهم في حقه أقبح وأفحش ، وكان العقاب أعظم ، لذا قال عقيب هذا الإنعام : وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ . الثاني - أنه تعالى ذكّرهم كونه قادرا على الابتداء ، ومن المقرر الظاهر عقلا عند البشر أن القادر على الابتداء ، قادر على الإعادة ، فلما أنكروا هذه الدلالة الظاهرة ، قال في حقهم : وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ « 1 » . والنوع الرابع من تخويف الكفار - أنه تعالى بعد أن ذكّرهم بالنعم التي له عليهم في الأنفس ، ذكّرهم بالنعم التي له عليهم في الآفاق ، وذكر ثلاثة أشياء : هي الأرض التي هي كفات الأحياء والأموات ، والجبال الرواسي الشامخات ، أي
--> ( 1 ) التفسير الكبير للرازي : 30 / 272